أبو حامد الغزالي

215

تهافت الفلاسفة

الحسية ، صرفنا عنه ، وإذا سقط عنا في النوم بعض اشتغال الحواس ، ظهر به استعداد ما ، للاتصال . وزعموا : أن النبي المصطفى ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، يطلع على الغيب بهذا الطريق أيضا ، إلا أن القوة النفسية النبوية ، قد تقوى قوة ، لا تستغرقها الحواس الظاهرة ، فلا جرم يرى هو في اليقظة ، ما يراه غيره في النوم ، ثم القوة الخيالية ، تمثّل له أيضا ، ما يراه ، وربما يبقى الشئ بعينه في ذكره ، وربما يبقى مثاله ، فيفتقر مثل هذا الوحي إلى التأويل ، كما يفتقر مثل ذلك المنام إلى التعبير . ولولا أن جميع الكائنات ، ثابتة في اللوح المحفوظ ، لما عرف الأنبياء الغيب في يقظة ولا منام ، ولكن جف القلم ، بما هو كائن إلى يوم القيامة ، ومعناه هذا الذي ذكرناه . فهذا ما أردنا ، أن نورده ، لتفهيم مذهبهم . والجواب ، أن نقول : بم تنكرون على من يقول : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يعرف الغيب ، بتعريف اللّه عز وجل ، على سبيل الابتداء ، وكذا من يرى في المنام ، فإنما يعرفه بتعريف اللّه تعالى ، أو بتعريف ملك من الملائكة ، فلا يحتاج إلى شئ مما ذكرتموه ، فلا دليل في هذا ، ولا دليل لكم في ورود الشرع باللوح المحفوظ ، والقلم ، فإن أهل الشرع ، لم يفهموا من اللوح والقلم ، هذا المعنى قطعا ، فلا متمسك لكم في الشرعيات . ويبقى التمسك بمسالك العقول ، وما ذكرتموه ، وإن اعترف بإمكانه ، مهما لم يشترط نفى النهاية عن هذه المعلومات ، فلا يعرف وجوده ، ولا يتحقق كذبه ، وإنما السبيل فيه ، أن يتعرّف من الشرع ، لا من العقل . وأما ما ذكرتموه من الدليل العقلي أولا ، فمبنىّ على مقدمات كثيرة ، لسنا نطوّل بإبطالها ، ولكنا ننازع في ثلاث مقدمات منها .